كرة الـ9 ـ 9 ـ 6 تتدحرج.. فهل ستقلل السعودية الخسائر؟

في رحلة العودة في الطائرة من الزيارة الأميركية، نعى المسؤول الكبير أمام مرافقية إمكان تأليف الحكومة في المدى المنظور، قال: “لقد ثبت أن التعقيدات أقوى منا جميعاً”.

 

أوضح المسؤول المذكور انه سعى جهده كي يبني توافقاً حول التأليف لكنه فشل، وفي الوقت نفسه نصح الرئيس المكلف بالواقعية وعدم التهور، إلا أنه عاد واستدرك قائلاً: “الرئيس المكلف ليس من النوع الصدامي الذي يرغب بمواجهات مع الفرقاء، وليست مشكلته فقط عدم قدرته على إقناع حزب الله وفريقه بحكومة المثالثة، أو أنه مقيد بشروط هذا الفريق، بل مشكلته الأكبر أن فريقه يكبله ولا يترك له حرية الخيار أو القرار أو حرية التحرّك وفق رغبته، فكأنه وحده، بما يتنافى مع الإجماع الذي جاء به رئيساً مكلفاً تشكيل الحكومة”.

 

“كان الهدف من البداية، ولا يزال”، يقول المسؤول الكبير، “ان تفضي الجهود الى حكومة تناسب المرحلة الراهنة، وتستطيع أن تتحمل المسؤولية في ما لو وصلنا الى الإستحقاق الرئاسي وتعذّر اجراؤه. لكن مع الأسف فشلنا جميعاً، ولا اعرف كيف سنخرج من هذه الدوامة، علماً بأن الاميركيين والغرب يلحّون على المسؤولين اللبنانيين لتشكيل حكومة تواكب المتغيرات الاقليمية والدولية”.

 

لم يتفاجأ الحاضرون بما أقر به المسؤول المذكور بأن سليمان وسلام كانا على وشك إعلان حكومة أمر واقع في الأيام القليلة الماضية، بل فاجأهم بقوله: “مضى على التكليف سبعة أشهر، وهي فترة طويلة جدا، وحرام أن تطول أكثر، بل هي باتت تستوجب اتخاذ قرارات حاسمة، فإما تأليف او لا تأليف، وليوضع الجميع أمام مسؤولياتهم. ثم لماذا لم يوافق الرئيس المكلف على صيغة الـ9 ــ 9 ــ 6؟ لكانت مشت الحكومة ومشى البلد المعطل”.

ثم إن المسؤول نفسه، تداول مع بعض السياسيين على ضفتي “8 و14 آذار”، ولفت كلامه أمامهم: “ماذا سيفعل تمام سلام؟ هل تعتقدون أن يبادر الى خطوة كبيرة، كأن يعتذر مثلاً، او أن يقرر التشكيل ويقول هذه لائحتي ويرمي الكرة على الآخرين؟ أنا من جهتي لا اعتقد أنه سيفعل شيئا، أو بالأحرى لا يستطيع أن يفعل شيئا”.

 

 

واضح أن الواقع الداخلي مربك الى أبعد الحدود، والكل مسلم بجمود او تجميد مفتوح، وهذا لا ينسجم مع ما ذهب اليه سمير جعجع الذي يتوقع حكومة خلال ثلاثة أسابيع، من دون أن يفصح عن المعطيات التي يملكها، وكأنه يملك وحده “كلمة سر” من مكان ما تجعله يتفاءل الى هذا الحد. لكن بعض العارفين بدقائق أمور التأليف، لفتوا إلى ان بعض الوقائع المحيطة بملف التأليف سجل في الفترة الأخيرة تطوراً نوعياً تمثل بتشجيع جاد عبر عنه الأميركيون، خلال وجود الوفد الرئاسي اللبناني في الولايات المتحدة الشهر الماضي، للسير بحكومة جديدة، ولم يبد الأميركيون ممانعة لصيغة الـ9 ــ 9 ــ 6، بل كانوا أقرب الى المشجعين عليها.

 

من هنا تبدو صيغة الـ9 ــ 9 ــ 6 كأنها تفرض نفسها أمراً واقعاً لا مفر منه في نهاية المطاف، سواء مع تشكيل برئاسة تمام سلام أو غيره. واللافت أن دائرة الدعم لها وتبنيها آخذة في الاتساع، فنبيه بري طرحها كحد أقصى ممكن قبوله لتشكيل الحكومة، و”حزب الله” معه قلباً وقالباً وكذلك “التيار الوطني الحر” وسائر قوى “8 آذار”، ووليد جنبلاط تبناها بعدما تخلى عن صيغة الثلاث ثمانيات، اما رئيس الجمهورية فلا يمانعها على اعتبارها اهون الشرور.

 

وتبعا لذلك، تؤكد شخصية وسطية أأن التطورات الاقليمية، بدءًا من فشل الرهان على اسقاط النظام السوري، وخاصة من قبل السعودية، وصولاً الى العلاقة الأميركية ـ الايرانية المتطورة، فرضت وقائع جديدة في كل المنطقة، وأرخت بتأثيراتها المباشرة على لبنان، وبالتالي ليس في الامكان تجاوزها أو تجاهلها أو القفز فوقها أو حتى مناكفتها. وربطا بتلك التطورات تسجل تلك الشخصية الخلاصات والملاحظات التالية:

 

ـــ الـ9 ــ 9 ــ 6 هو الحد الممكن أن يسري على أي تركيبة حكومية جديدة، بعد سقوط كل الخيارات الأخرى، وهناك فريق أساسي وازن في البلد “حزب الله وحلفاؤه”، وهذه الصيغة بنظره شراكة في القرار.

 

ـــ ان الرهان المبالغ فيه، من قبل السعودية تحديداً، على متغيرات يستفاد منها لترجمة قرارات معاقبة “حزب الله” وفرض حكومة، قد فشل، وبات من الضروري التعامل مع الوقائع الجديدة بما تقتضيه من واقعية وقراءة دقيقة للمستجدات، والاقرار بعدم القدرة لا على العزل ولا على الاقصاء ولا على التفرّد بحكومة.

 

ـــ حتى قبل المستجدات الإقليمية والدولية، لم يكن هناك أمل في خلق واقع سياسي خالٍ من “حزب الله”، وفرض حكومة متحكم فيها من قبل “تيار المستقبل” وحلفائه.

 

ـــ ان المشكلة من الأساس مردها الى أن هناك فريقاً يريد أن يربح كل شيء، وطرح شعارات كبرى وعناوين وشروطا و”فيتوات” في وجه “حزب الله” يستحيل تطبيقها على ارض الواقع اللبناني، وبات تراجعه عنها بمثابة هزيمة موصوفة له ولفريقه، علما بان رصد حركة هذا الفريق يبيّن ان كثيرا من الشعارات الكبيرة التي طرحها، عاد وتراجع عنها في في لحظة سياسية معينة.

ـــ ان لبنان متروك لقدره، ويعاني اليوم غياب المظلة الدولية والاقليمية التي ترعاه، فالأميركيون منهمكون بمشكلاتهم، وكذلك الاوروبيون، اما العرب فيعانون تداعيات الانتقال من “لربيع العربي” الى “الخريف” الذي بدأ يتمظهر في العديد من الدول، وأما السعودية فتعيش حالياً الانفعال وصدمة فشل الرهان، وانكفأت عن لبنان بشكل غير مبرر وغير مقنع، وتركته مع حلفائها في حال تخبط وارباك.

 

ـــ هناك من يقول إن السعودية لن تسلم بالأمر الواقع، ولن تقدم أي تنازل في لبنان لفريق يعتبر نفسه منتصراً. لكن، والكلام للشخصية السياسية المذكورة، المطلوب هو قليل من الواقعية، فصيغة الـ9 ــ 9 ــ 6 مفتاح سحري لحكومة قادرة على امتصاص تداعيات الأزمة على لبنان. والأهم أن مستجدات المنطقة رسخت ثابتة أساسية مفادها: ان فرصة الحد من تقديم التنازلات والخسائر متاحة حاليا، وكلما تأخرت الواقعية وابتعد التجاوب مع متطلبات اللحظة الحالية، كانت الخسارة اكبر.. والتنازلات أكثر.4

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*