الخوف من الفتنة يطوّق طرابلس

جاءت مذكرة البحث والتحري التي أصدرها مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر بحق الأمين العام لـ”الحزب العربي الديموقراطي” النائب السابق علي عيد، بعد امتناعه عن تلبية استدعاء فرع المعلومات له للتحقيق معه على خلفية اعترافات أدلى بها سائقه الموقوف أحمد العلي، والتي أردفها القاضي صقر بعد أقل من 24 ساعة بالادعاء عليه بتهمة تهريب مطلوب للعدالة، لتطوّق طرابلس بضغوط من شأنها أن تعيد تفجير الوضع الأمني في أي لحظة.

 

ويأتي ذلك مع لجوء بعض الأطراف الى سيناريوهات غير مسبوقة قد تؤدي الى فتنة لن يكون بمقدور أحد التكهن بنتائجها، بينما المدينة تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة على كل صعيد، بعدما طال الشلل الناتج من الجولة 17 كل مرافقها بدون استثناء، وهو مرشح للاستمرار الى أجل غير مسمى، ما دامت المدينة تقع أسيرة تجاذبات إقليمية يحاول المستفيدون استخدامها لتصفية الحسابات السياسية والأمنية.

 

وما يضاعف من حجم المخاوف هو أن الجولة الرقم 18، إذا ما انطلقت هذه المرة، فإنها لن تقتصر على المحاور التقليدية فحسب، بل ستطال نيرانها كل مناطق طرابلس، مع إمكانية أن تنتقل للمرة الأولى الى قرى سهل عكار المتداخلة مذهبيا والمشحونة بمذكرة البحث والتحري والادعاء بحق علي عيد، غضبا وترحيبا، لا سيما في القرى الحدودية التي رصد أهلها ليل أمس الأول تعزيزات عسكرية للجيش السوري في المنطقة المواجهة لمنزل عيد في حكر الضاهري لجهة الأراضي السورية، وضعت المنطقة برمتها في حالة تأهب قصوى.

 

وتركت التعزيزات العسكرية السورية أكثر من علامة استفهام حول توقيتها والغاية منها، وهل هي إجراءات روتينية ضمن التدابير التي يتخذها الجيش السوري على الحدود؟ أم أنها رسالة مضادة على مذكرة البحث والتحري بحق عيد؟ أم هي مجرد تحذير، خصوصا أنه منذ استدعاء عيد الى التحقيق من قبل فرع المعلومات، لم تفارق الحشود الشعبية منزله وهي تعتصم أمامه احتجاجا.

 

وقرأ مراقبون خطوة القاضي صقر بالادعاء السريع على عيد في اتجاهين: الأول سلبي يحاول فرض مزيد من الضغط على عيد، ومن شأنه أن يؤجج التوتر في طرابلس، والثاني إيجابي لجهة نوع الجرم وهو تهريب مطلوب للعدالة، وليس بالتفجيرين، ويشير ذلك بحسب المراقبين الى أن الاتهام في الجريمة الإرهابية يطال حتى الآن أشخاصا من جبل محسن، وليس «الحزب العربي الديموقراطي”.

 

لكن ما تشهده طرابلس يجعل أبوابها مفتوحة على أسوأ الاحتمالات، خصوصا أن كل المعنيين يقفون مكتوفي الأيدي أمام ما تشهده من تطورات، تساهم في سوداويتها الشائعات التي تساهم بتعطيل مرافق المدينة، ودفعت كثيراً من الأهالي الى عدم إرسال أولادهم الى المدارس تحسباً لأي طارئ.

 

وإذا كان الجيش اللبناني يقوم بكل الإجراءات اللازمة لضبط الوضع على المحاور والإشكالات المتفرقة، بينما تقوم قوى الأمن الداخلي بنصب الحواجز عند المداخل وضمن المدينة، فإن بعض الأمور الميدانية بدأت تخرج عن أية سيطرة، سياسية كانت أم أمنية، لا سيما على صعيد استمرار الحصار على جبل محسن، والاعتداء على أبنائه، حيث أعلن “الحزب العربي الديموقراطي” عن تعرض الجندي في الجيش اللبناني دانيال الجماس لإطلاق نار وهو خارج خدمته، إضافة الى الاعتداء بالآلات الحادة على ثلاثة أشخاص في التل والزاهرية وسوق الخضار. وهذا من شأنه أن يبقي النيران مشتعلة في طرابلس، في وقت تتجه فيه أكثرية المؤسسات الاقتصادية والسياحية في المدينة للإفلاس.

 

وما يضاعف من حجم الأزمة الأمنية في طرابلس هو تحول إطلاق النار فيها الى نظام حياة فتتردد أصداؤه عشرات المرات يوميا في أرجاء المدينة، سواء عبر الإشكالات المسلحة التي تشهدها المناطق الشعبية، أو عبر المناسبات المختلفة، وقد قتل المواطن علي فتوح وجرح شخص آخر ليل أمس الأول خلال إشكال وقع في السويقة بين عائلتي الصيداوي والحجة، وشهدت الأسواق القديمة ظهر أمس إطلاق نار كثيفاً خلال تشييعه، كما وقع عدد من الإشكالات تخللها إطلاق نار كثيف في أبي سمراء، وباب الرمل وكرم القلة.

 

ولعل ما حبس أنفاس طرابلس أمس، هو إعلان “الحزب العربي الديموقراطي” عن نيته القيام بمسيرة ضد العنف والاقتتال وللحفاظ على العيش المشترك، تنطلق من جبل محسن الى ساحة عبد الحميد كرامي يوم الجمعة المقبل، وإقامة صلاة الظهر هناك، وذلك لأول مرة في تاريخ المدينة، ومن ثم الانطلاق باتجاه السرايا لتسليم محافظ الشمال ناصيف قالوش مذكرة تطالب الدولة بحماية الطائفة العلوية من الحصار المفروض عليها، ومن الاعتداءات المتكررة على أبنائها.

 

وعلى الفور جاء الرد من مسؤولي المحاور بالإعلان عن تنظيم مسيرة مضادة من ساحة كرامي الى جبل محسن، لرفض نزول الحزب الى المدينة بهدف التعمية على تفجيري مسجدي “التقوى” و”السلام”.

 

وأعلن مشايخ التبانة عن إقامة مهرجان “التقوى” و”السلام” يوم الأحد المقبل في “معرض رشيد كرامي الدولي” لدعم “أولياء الدم” واتخاذ التوصيات المناسبة حول تحصيل الحقوق من المتورطين بهاتين العمليتين الإرهابيتين.

 

وأشارت مصادر “الحزب العربي” الى أن المشاركين في المسيرة سيحملون الورود والزهور الى أبناء طرابلس للتأكيد أنهم يريدون أن يعيشوا معهم بسلام وأمان.

 

وقالت هذه المصادر: “إن الحصار والاعتداءات المتكررة لم تعد تطاق، وخير لنا أن نقتل جماعيا في طرابلس إذا أراد البعض ذلك، على أن نقتل فرادى وتحت جنح الظلام أو من خلال الحصار، وعلى الدولة أن تبادر الى حمايتنا في منطقتنا وفي كل الأماكن، أو أننا سنقوم بحماية أنفسنا وساعتها لكل حادث حديث”.

 

في غضون ذلك، رفض المشايخ ومسؤولو المجموعات المسلّحة في المناطق الساخنة هذه المسيرة معتبرين أنها “تشكل قمة الاستفزاز بعد ارتكاب عدد من عناصر الحزب جريمة التفجيرين الإرهابيين”، مؤكدين أن “هذه المسيرة لن تمر، وسنقوم بمسيرة مضادة”.

 

وإذا كان من الطبيعي أن يسارع المحافظ ناصيف قالوش الى رفض طلب التصريح للمسيرتين، بتوجيهات من وزير الداخلية مروان شربل الذي أكد أنه لا يمكن أن يتم الترخيص لهذه المسيرة أو لأي مسيرة مماثلة، فإن الإعلان عنهما كانا كفيلين بإحداث حالة طوارئ في طرابلس.

 

(غسان ريفي – السفير)3

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*