التحدّي يبلغ مداه في طرابلس.. والخوف أيضاً

اكتمل مشهد التحدي في طرابلس حتى بلغ مداه، ووضع المدينة على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة، بعدما ساهمت المواقف التصعيدية، من كل الأطراف، بتغذيته وتجهيزه لاحراق الأخضر واليابس، ضاربة عرض الحائط بكل ما تم التوافق عليه في الاجتماع السياسي والأمني والديني الذي عقد في منزل المفتي الشيخ مالك الشعار الذي تحول في مهرجان “إحقاق الحق” الى هدف تم التصويب عليه، بسبب حماسة المفتي وإصراره على انتشار الجيش وقوى الأمن الداخلي لحماية كل المناطق والحدّ من التدهور الأمني في المدينة.
وبدا واضحا أمس أن طرابلس باتت أسيرة مزايدات سياسية ـ انتخابية تحاول إرضاء الشارع والامساك به، سواء في التبانة والقبة والمنكوبين، أو في جبل محسن، فلا المواقف التي صدرت من مهرجان “إحقاق الحق” تستطيع إعادة الأمن الى العاصمة الثانية والحد من الفلتان الذي يكاد ينهي دورها على كل صعيد، ولا تصريحات المسؤول السياسي لـ”الحزب العربي الديمقراطي” رفعت عيد خلال مؤتمره الصحافي تساهم في فتح القنوات على جبل محسن، أو في حماية الطائفة العلوية.
كما أن هذه المواقف مجتمعة من شأنها أن تضع طرابلس على صفيح ساخن دائم، وأن تشرع الفوضى التي من شأنها أن تقضي على البقية الباقية من أمن وسمعة وتجارة واقتصاد، وأن تؤدي الى تضييع بوصلة التحقيقات في تفجيري مسجديّ “التقوى” و”السلام”، وأن تضع “أولياء الدم” في مهب التجاذبات السياسية والمنافسة على استقطاب الشارع، خصوصا أن الهجوم لم يستثن أحدا، بما في ذلك الدولة والقضاء والجيش والمفتي.

 

لذلك، فقد بدت طرابلس أمس أمام مفترق طرق. فاما أن تترجم المواقف التصعيدية في المحاور التقليدية الساخنة بجولات عنف جديدة، وعندها ستدخل طرابلس فعليا في النفق المظلم، خصوصا أن الشحن الذي شهده المهرجان جرى تنفيسه في التبانة باطلاق الرصاص وبعض أعمال القنص ورمي قنبلة يدوية في مجرى النهر، وكاد ذلك أن يشعل بعض المحاور، لولا التدخل السريع للجيش.
وإما أن يصار الى تدارك هذا الحماس، وإعادة الأمور الى نصابها، بما يمكن طرابلس من استعادة أمنها واستقرارها، وذلك باستكمال بنود الخطة الأمنية ودخول الجيش والقوى الأمنية الى عمق المناطق الساخنة، والحد من ظاهرة حمل السلاح وإطلاق النار في أرجاء المدينة في المناسبات المختلفة التي كان مسرحها عدة مناطق أمس شهدت إطلاق نار كثيفا ابتهاجا بأعراس، من دون أن تحرك القوى الأمنية ساكنا تجاه مطلقي النار.
وأمام هذا التصعيد المستجد، والشحن المستمر، يبدو ذلك صعبا للغاية، خصوصا في ظل المحاولات المستمرة والرامية الى تعطيل دور القيادات السياسية والدينية، لمصلحة قوى الأمر الواقع التي برزت مؤخرا في المدينة أو خارجها، حيث أعاد المهرجان إحياء قضية الشيخ أحمد الأسير والتي ليس لها أي ارتباط بقضية التفجيرين أو بالصراع التاريخي مع جبل محسن، وصولا الى استهداف المفتي مالك الشعار الذي سارع بعد عودته من هجرته القسرية الى ممارسة دوره مع سائر قيادات المدينة من أجل حماية المدينة وعدم خروجها عن سلطة الشرعية.
وقد رد المكتب الاعلامي للمفتي الشعار على الشيخ خالد السيد الذي تناوله في المهرجان، فرأى “أن المتكلمين كانوا يخطبون ودّ الناس، فالذي يريد إحقاق الحق لا يفتري على الناس ولا يبهتهم ويُقَوّلهم ما لم يقولوه، فمشكلة طرابلس اليوم أنها قضية حق ابتليت بمحامين فاشلين لا يحسنون تمثيلها”.
مهرجان “إحقاق الحق”

وكانت طرابلس على موعد مع مهرجان “إحقاق الحق” في “معرض رشيد كرامي الدولي” بدعوة من المجلس التشاوري للمدينة، وتحدث فيه كل من إمام مسجد “السلام” الشيخ بلال بارودي ورئيس “هيئة علماء المسلمين في لبنان” الشيخ سالم الرافعي فطالب “الدولة بمحاسبة المجرمين، حفاظا على هيبتها ودورها وعلى مستقبل لبنان، لان عدم محاسبتهم سوف يؤدي الى تفتيت لبنان”، مؤكدا “أن اهل السنة لن يرضوا بعد اليوم ان تضيع دماء الشهداء، ولن نرضى بعد اليوم ان نذل في بلدنا، ونريد الدولة ان تعامل جبل محسن كما عاملت الشيخ احمد الاسير، ونحن لا نخاف من دبابات النظام السوري على الحدود، لان معنا ابطال الشام”.

 

وتحدث احمد عبوس الذي استُشهد اولاده وأحفاده في التفجير باسم اهالي الضحايا فطالب “بحل الحزب العربي الديمقراطي وبمحاسبة المجرمين”، وتلاه المحامي فادي الحايك باسم المجتمع المدني.
وقال النائب معين المرعبي: “هل يعتبر رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان وقائد الجيش القصف السوري لعكار وعرسال نيرانا صديقة؟، ولماذا لا يتصدى لها الجيش؟”. واضاف: “ان استمرار الظلم علينا نحن اهل السنة سيؤدي بنا ان ناخذ على ايدي المجرمين بانفسنا”.

 

وشن ممثل “اللقاء التشاوري” في طرابلس الشيخ خالد السيد هجوما عنيفا على المفتي مالك الشعار متهما إياه بـ”الهروب من المسؤولية، وبالتواطؤ على أهالي التبانة بعدما طالب بضرورة دخول الجيش إليها في غضون 24 ساعة”، داعيا أبناء جبل محسن الى “الاعتصام في طرابلس للمطالبة بالاقتصاص من منفذي التفجيرين، وبرفض وجود القاتل عيد بين صفوفهم”.
وحذر النائب محمد كبارة “من محاولات إخضاع السنة”، رافضا أن “يتآمر القضاء اللبناني أو الأمن اللبناني علينا”.
وإذ أثنى كبارة على رد وزير الداخلية على عيد، سأل “اين وزير الدفاع الذي كان يتحفنا بنوادره عن تنظيم القاعدة والتكفيريين؟، ولماذا بلع لسانه؟ ام ترى انه لا يستطيع ان يرفع صوته في وجه سيده الاسد الذي كان يستخدمه ضدنا؟”.

 

وقال: “اذا كان نظام الاسد هو المسؤول عن سفك هذا الدم كما بينت التحقيقات القضائية، فلماذا لا تطرد الدولة سفير الاسد وتسحب سفير لبنان من سوريا؟ ولماذا لم تتقدم بشكوى الى الأمم المتحدة أو جامعة الدول العربية؟”.

 

(غسان ريفي – السفير)4

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*