طرابلس: الجيش يفرض الأمن.. ماذا عن المتضررين؟

على الرغم من الارتياح الذي نتج من قرار تسليم الجيش اللبناني الامرة العسكرية في طرابلس، والذي نجح في وضع حد للمعارك الدائرة بالقوة، خلافاً للمرات السابقة، وفي إجبار كل المسلحين على الانكفاء، فإن عاصفة من الغبار لا تزال تحول دون إمكانية استشراف آفاق الحل في المدينة التي ترزح منذ سنوات تحت وطأة اشتباك محلي ـ إقليمي يترجم في كل مرة بدماء فقرائها.

 

قد يكون مستغربا جدا، هذا الحماس لدى المجموعات المسلحة، سواء في طرابلس أم في بعل محسن لشعارات وعناوين سياسية ومذهبية مختلفة تحتاج الى اجتياز مئات الكيلومترات لتحقيقها.

 

وبما أن خروج تلك المجموعات المسلحة من مناطقها أمر من سابع المستحيلات، فإنها تستعيض عن ذلك بمعارك عبثية في ما بينها، هي أشبه بمن يطلق النار على نفسه، فيواجه قادة المحاور ومن يقف وراءهم “حزب الله” والنظام السوري بتدمير التبانة والقبة والمنكوبين، و”الحزب العربي الديموقراطي” يواجه “جبهة النصرة” بحصار جبل محسن ومنع وصول الغذاء والدواء إليه وبتعريض طائفة بكاملها لخطر الاعتداءات. ويواجه الطرفان معا قرارات الدولة وإجراءات القوى الأمنية بقطع الطرقات على مناطقهما وبتعطيل مصالح المواطنين فيهما.

 

كثيرة هي المؤسسات الاقتصادية في طرابلس التي بدأت تفكر جديا في الانتقال الى مناطق أخرى، فضلا عن مدارس وجامعات كان لها حضورها التاريخي في المدينة، في وقت تشهد فيه المدينة انهيارا اقتصاديا يترجم بإفلاس وإقفال المحال التجارية الواحد تلو الآخر.

 

وهذا يشير الى أن طرابلس تواجه حربا متعددة الأوجه تهدف الى إلغاء دورها التاريخي كحاضنة شمالية، وتحويلها الى بؤرة توتر دائمة، تخدم توجهات اللاعبين المحليين في تصفية حساباتهم السياسية، وتكون ساحة خلفية للنزاع الاقليمي الذي يبلغ ذروته في سوريا والمنطقة.

 

ويبدو واضحا أن نجاح الخطة الأمنية في طرابلس سيكشف وجود متضررين، فجولات العنف التي شهدتها طرابلس والتوترات الحاصلة فيها، استخدم بعضها بوضوح في تصفية الحسابات السياسية، وفي استهداف الحكومة الميقاتية، فيما يستخدم بعضها الآخر للضغط إقليميا، عبر وكلاء، بهدف التغطية على اختلال موازين القوى سواء في المنطقة أم في سوريا.

 

هل سينجح الجيش اللبناني في فرض الأمن والاستقرار في طرابلس؟ وإذا نجح، هل ستودع الفيحاء الفوضى الأمنية وستقلب صفحتها الى غير رجعة؟ أم أنها سوف تستريح مؤقتا بهدنة هشة يعقبها تسخين أمني تحضيرا للجولة 19؟

 

الواضح حتى الآن، أن كل الاجراءات التي تتخذ هدفها إسكات صوت الرصاص فقط، بانتظار مبادرات الدولة تجاه عاصمتها الثانية بخطة أمنية ـ إنمائية حقيقية تنقذ ما يمكن إنقاذه.

 

أما مستقبل المدينة الأمني فلا يزال في علم الغيب، بانتظار معرفة قرار اللاعبين الاقليميين وما إذا كانوا قرروا التخلي عنها قبل موعد انعقاد مؤتمر جنيف 2 في 22 كانون الثاني والثمن المطلوب لذلك، أم انهم لا يزالون يحتاجون الى المدينة كساحة مكملة لساحات المواجهات السورية.

 

كما لا يمكن التغاضي عن معرفة قرار اللاعبين المحليين لجهة الاستغناء عن اعتمادهم طرابلس ساحة لتصفية الحسابات السياسية وتسجيل النقاط.

 

ولا يختلف إثنان على أن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي قد خطا خطوة جريئة جدا على صعيد تكليف الجيش الامرة العسكرية، وكان لها أثرها الايجابي على صعيد أبناء طرابلس الذين كانوا ينتظرون قرارا فوق العادة من هذا النوع يضع حدا لتفلت الحالة الأمنية من عقالها، وهو الأمر الذي قد يثير حساسيات سياسية بدأت بوادرها تظهر لدى بعض المتضررين من إنجاز ميقاتي، ممن يحاولون اليوم إطلاق النار على الخطة الأمنية والتحريض على الجيش بهدف إبقاء حالة التوتر، والاستمرار في استهداف ميقاتي ووزراء حكومة تصريف الأعمال من الباب الأمني، بعدما فقد هؤلاء كل أوراقهم الأخرى. هذا بالاضافة الى المتضررين المباشرين من مسؤولي المجموعات المسلحة الذين سيقلص دخول الجيش والقوى الأمنية الى مناطقهم المكتسبات التي توفرها لهم التوترات الأمنية، وكيفية التعامل معهم بعدما شعروا طيلة الفترة الماضية بفائض قوة أخرجتهم عن سيطرة السياسيين وعن سلطة القانون.

 

فهل سينتهي عهد هؤلاء ببسط سلطة الأمن والقانون بقوة الجيش، أم أنهم سيعودون الى مربعهم السياسي الأول، فيتحضرون لأدوار أمنية جديدة؟

 

(غسان ريفي – السفير)4

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*