طرابلس: محاولة انقلاب على الخطة الأمنية

بدت طرابلس أمس أسيرة التحدي بين المتضررين من الخطة الأمنية، وبين الجيش اللبناني الذي يعمل على حفظ أمن المدينة وإعادة الاستقرار إليها.

 

ولعل الاشتباكات التي جرت بعد عصر أمس بين الجيش وعدد من المسلحين في التبانة وأدت الى مقتل أحد العسكريين وإصابة 5 آخرين بينهم ضابط، وكانت بمثابة خرق أول للخطة الأمنية بعد 24 ساعة على انطلاقها، يؤكد أن من يمتلك الأوراق الأمنية في طرابلس، محلياً وإقليمياً، لن يتخلى عنها بسهولة.

 

ويشير ذلك بوضوح الى أن الدور الأمني المرسوم لعاصمة لبنان الثانية لم ينته بعد، وان ثمة سباقاً محموماً بين القرار اللبناني بوضع حد للفلتان الأمني في المدينة، وبين القرار الاقليمي المتزامن مع مصلحة محلية لإبقائها ساحة للتوترات بهدف تصفية الحسابات وتوجيه الرسائل النارية بين الحين والآخر.

 

هذا الواقع من شأنه أن يضع طرابلس أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يرضخ الجميع لسلطة الدولة والجيش، وإما أن يفرض المسلحون أنفسهم على المدينة وتحويلها بالتالي الى خارجة عن القانون وعرضة لكل الاختراقات، وفتح أبوابها أمام أسوأ الاحتمالات بما في ذلك، نهر بارد جديد أو عبرا ثانية.

 

ومما رفع من منسوب الخوف هو التسجيلات المنسوبة لـ«داعش» التي تداولتها بعض مواقع التواصل الاجتماعي والتي هدّدت وزير الداخلية مروان شربل، وأكدت أن خطوتها التالية ستكون باتجاه طرابلس.

 

وإذا كان رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي قد نجح في التوصل الى قرار مع رئيس الجمهورية وقائد الجيش بتسليم الامرة العسكرية في طرابلس الى الجيش اللبناني، ما أشاع أجواء إيجابية بين الأوساط الطرابلسية كافة وأعطى أملاً لدى المواطنين بمرحلة جديدة من الاستقرار في المدينة، فإن قرار ميقاتي لم يبق «مقطوعاً من شجرة»، بل وجد تغطية كاملة من كل وزراء ونواب طرابلس على اختلاف توجهاتهم، فبعد أن توافقوا عليه خلال الاجتماع الذي عقد في دارة ميقاتي يوم السبت الفائت، جرى تبنيه بشكل كامل بعد صدوره رسمياً في اجتماع بعبدا، وذلك خلال اللقاء السياسي الموسّع الذي عقد في دارة ميقاتي أيضاً يوم الثلاثاء الفائت، حيث رحب النائب سمير الجسر باسم المجتمعين بالقرار وبتطبيق الأمن بحزم وعدالة وتوازن، مؤكداً الثقة بالجيش.

 

كان الجيش قد بدأ بتنفيذ مهماته العسكرية فور صدور القرار في كل مناطق التوتر من دون أي تمييز، ونجح حتى ظهر أمس في وقف الاشتباكات وفي إزالة كل المظاهر المسلحة والدشم والسواتر الترابية التي ارتفعت خلال جولة العنف الـ18 على مختلف المحاور، فضلاً عن المداهمات التي طالت عدداً من المطلوبين في جبل محسن وسائر مناطق طرابلس، وكان آخرها صباح أمس بتوقيف أحد المتهمين بالاعتداء على أحد الأشخاص من جبل محسن، فانه اصطدم أمس بمجموعات مسلحة حاولت منعه من استكمال مهماته.

 

لكن المجموعات لم تتوان عن إطلاق النار على الجيش، تزامناً مع حملة تحريض واسعة ضده على مواقع التواصل وعبر الرسائل الخليوية، في وقت عملت فيه بعض المجموعات على إشغاله بقطع الطرقات والتجمع أمام مراكزه، وبفتح النار باتجاه جبل محسن الذي ردّ مسلحوه بالمثل، ما أدّى الى اشتباكات محدودة وأعمال قنص سارع الجيش للردّ على مصادرها.

 

والمستغرب في الأمر أن الترحيب السياسي بالخطة الأمنية وتأكيد الثقة بالجيش، لم يترجم دعماً كاملاً على الأرض للخطوات التي قام بتنفيذها، فجاء الاعتداء الجديد على العسكريين من دون أي ردة فعل سياسية شاجبة أو مستنكرة حتى ساعة متأخرة من الليل، ما أوحى بأن الغطاء لم يُسحب بشكل كامل عن بعض المجموعات المسلحة، وأن اللغة المزدوجة ما تزال تعتمد من قبل أطراف عدة.

 

 

ماذا حصل في التبانة أمس؟

عند الثالثة والنصف عصراً، وبينما كان فريق تلفزيون «الجديد» يجري مقابلات مع عائلات في التبانة، تعرضت له مجموعة من الشبان قاموا بمصادرة معداته وحاولوا الاعتداء على سيارته، وتزامن ذلك مع مرور دورية للجيش سارعت الى إطلاق النار في الهواء لتفريق الشبان، لكنها تعرضت الى إطلاق نار من أكثر من مكان، ما أدى الى إصابة الملازم أول علي أحمد في رقبته (نقل الى مستشفى المنلا للمعالجة) وعدد من العسكريين.

 

وعلى الاثر حصل اشتباك بين العسكريين والمسلحين، وعمت الفوضى شارع سوريا الذي تعرض لأعمال قنص أدت الى إصابة أحد المواطنين، وتطور الأمر الى تبادل لإطلاق النار على بعض المحاور، فاستقدم الجيش مزيداً من التعزيزات ورد على مصادر النيران، وقام بمداهمة أحد المباني الذي أطلقت منه النار، معتمداً القنابل المسيلة للدموع. وحصل أكثر من اشتباك في التبانة بين الجيش والمسلحين، ما أدى الى ارتفاع حصيلة الجرحى من العسكريين الى سبعة، واستشهاد احدهم.

 

وبدت الأمور تتجه ليلاً للخروج عن سيطرة الجميع، حيث انطلقت مجموعات شبابية في الأسواق الداخلية والزاهرية والتبانة والقبة والبداوي في مسيرات، وردد المشاركون التكبيرات والهتافات احتجاجاً على الإجراءات التي ينفذها الجيش في طرابلس، كما سجل ظهور مسلح في أكثر من منطقة وقطع طرقات بالإطارات المشتعلة في شوارع مختلفة، على وقع إطلاق التكبيرات عبر مكبرات الصوت لبعض المساجد، وقد تعامل معها الجيش بالقنابل المسيلة للدموع وباطلاق النار في الهواء لتفريق المحتجين.

 

كما انطلقت مسيرة دراجات نارية من مختلف شوارع طرابلس الى ثكنة القبة للاحتجاج على ما يقوم به الجيش، وتخلل ذلك تبادل لإطلاق النار بين المتظاهرين وبين الوحدات العسكرية المولجة بحماية الثكنة أدى الى إصابة أربعة أشخاص من المتظاهرين.

 

وتزامن ذلك مع قيام مجهولين على دراجات نارية بإطلاق النار في أرجاء المدينة ورمي عدد من القنابل اليدوية.

 

 

 

(غسان ريفي- السفير)5

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*