مدارس خطوط التماس: الموت علماً!

مع كلّ “معركة” تنتهي في طرابلس، تنصرف المجموعات المتقاتلة لإحصاء قتلاها، وتتوجه الدولة لإحصاء الأضرار، وتحوّل وسائل الإعلام انتباه جماهيرها إلى حدث جديد، ويغفل كلّ هؤلاء أن المعارك المندلعة في شارع سوريا يذهب ضحيتها جيل كامل من الشباب والمراهقين وطلاب المدارس

 

مرّت اكثر من ثلاثة أشهر على بدء العام الدراسي، من دون أن تخلو الأحياء الداخلية في مدينة طرابلس من أطفالها وفتيانها. المشهد الذي يبدو غريباً بالنسبة إلى من لا يعرف المنطقة، هو أكثر من عادي بالنسبة إلى أهالي المدينة، التي تعيش وضعاً أمنياً متردياً، تسبّب بارتفاع حالات التسرّب التي تعرفها طرابلس منذ سنوات. إذ لا يخفى على أحد أن مدينة طرابلس هي أفقر مدن المتوسط حسب تصنيف الأمم المتحدة لها، وبأن منطقة التبانة هي أفقر أحياء المدينة على الإطلاق، حيث توجد نسب كبيرة من الأمية والتسرّب المدرسي في وسط الذكور تحديدا، إذ يترك هؤلاء مدارسهم من أجل العمل في كاراجات الميكانيك وصيانة السيارات. وكانت دراسة أجرتها جمعية “تعاون وتنمية وصحة”، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبلدية طرابلس كشفت نهاية العام 2011 أن نسبة الأمية عند السكان من عمر 10 سنوات وما فوق في منطقتي باب التبانة وجبل محسن تصل إلى 13.1% مقابل 8,8% على المستوى الوطني، فيما بلغت نسبة الذين لم يلتحقوا بالمدرسة أو تركوها باكراً 16.3 %، وهو الرقم الأعلى في لبنان.

 

يعدّ الفقر العائق الأساسي أمام انتساب الأطفال الى المدارس، إذ يجمع مديرو المدارس الذين التقت بهم “الاخبار” على أن عدداً كبيراً من الطلاب لا يتسجلون لأن مبلغ التسعين ألفاً الذي حدّدته الوزارة كحد أدنى للتسجيل في المدارس الرسمية غير متوفر مع الأهالي. ويؤكد مدير متوسطة التبانة حسام المير أنه قام شخصياً بالتواصل مع بعض فعاليات المدينة من أجل تأمين تسجيل طلاب العائلات الأكثر فقراً. ويشير إلى أنه “لولا تسجيل عدد كبير على نفقة وزارة الشؤون الاجتماعية من بين الذين حصلوا على بطاقة العوائل الأكثر فقراً، لكانت الصورة أكثر مأساوية”. وجاءت المقابلة مع مديرة “مدرسة لقمان”، التي احتجز تلامذتها في المدرسة خلال جولة الاشتباكات الاخيرة، لتدعم هذه الفكرة. اذ لفتت إلى أن “بعض الأهالي الذين لديهم أكثر من ولد، يقومون بتسجيل ولد واحد لعدم توفر القدر الكافي من النقود لتسجيل الباقين”.

 

وفي هذا الإطار، لا يفوت أحد الناشطين التربويين الإضاءة على مفارقة تعيشها المدينة: يهدر المال لشراء رصاص يستقبل فيه المسلّحون أحد قادة المحاور العائدين من زيارة خارجية، بكلفة أكبر بكثير من ميزانية تسجيل جميع طلاب المنطقة المعدمين في المدارس. وتأتي نسبة البطالة المرتفعة لتضاعف التسرّب، إذ يتخذ منها بعض الشباب ذريعة لترك المدارس والتوجه إلى الشارع علّهم يجدون لهم مكاناً في صفوف شباب الأحياء المنتشرين على الأرصفة والذين يحصلون على «الخرجية» من هذه الجهة أو تلك.

 

وإذا كانت المدينة اعتادت الفقر والبطالة، إلا أن الوضع الأمني المتردّي عاماً بعد عام يلقي بظلاله الثقيلة على المدارس في باب التبانة وجوارها، مشكلاً التحدي الأكبر لها. إذ تقع مدارس التبانة الأربع الأساسية، وهي متوسطة التبانة الرسمية ومدرسة لقمان ومدرسة نهج البلاغة وثانوية الغرباء، على خطوط التماس. وتتسبب التوترات والصدامات المتكررة في توقف المدارس عن الدوام. ويكفي سريان أي شائعة عن احتكاك فردي بين الأطراف، أو سماع طلق ناري، لكي تتلقى إدارات المدارس سيلاً من الاتصالات، فيما تمتلئ الملاعب بالأهالي الذين يتدافعون من أجل نقل أطفالهم إلى البيوت. وفي كثير من الأحيان تتم الاستعانة بملالات الجيش لتأمين انتقال الطلاب بفعل عمليات القنص وسقوط القذائف.

 

هذا الوضع الأمني ينعكس سلبياً على الطلاب، إذ يضطر الأساتذة إلى تكثيف الدروس، وعدم شرح بعضها، لأن الوقت غير كاف. لذا باتت مدارس منطقة التبانة تشهد نسبة رسوب ملحوظة تصل إلى 50%. ويطالب بعض التربويين بأخذ حال هذه المدرس بعين الاعتبار، مستغربين كيف أنه ورغم عمليات القصف لم تقم وزارة التربية بإعادة الامتحانات لطلاب التبانة والذين رسب الكثير منهم لعدم القدرة من الوصول إلى مراكز الامتحانات. فيما تطالب المدرّسة مهى الشاويش بـ”رفع الصوت عالياً من أجل إسماع آذان المسؤولين الصماء ما آل إليه الوضع التربوي في المدينة”.

 

تتعرّض أبنية المدارس إلى أضرار كبيرة بفعل الاشتباكات المتكررة حيث الخسائر أكبر من أن تتمكن صناديق المدارس ذات الموارد الشحيحة من صيانتها، ووحدها اللافتات ترشدك إلى وجود مدارس. وخلال زياراتنا تمكنا من معاينة الأحوال المتردية: جدران عفنة، شبابيك محطمة، ومقاعد قديمة العهد. ففي متوسطة التبانة (دار السلام) يفيض الملعب بالماء. وعند سؤالنا عما إذا كان الأمر ناجماً عن هطول الأمطار، يأتي الجواب بالنفي إذ تتحوّل خزانات المياه المتواجدة على سطح المدرسة إلى هدف للقناصة. وتفيد الإدارة أنها تقوم بعد كل جولة قتال بتجديد الخزانات. وفي الانتقال إلى داخل المبنى نلاحظ حجم الشقوق الهائل في الأرضيات والسقوف والجدران، بحيث تشعر أنك تسير على طريق متعرجة. ويشير مدير المدرسة حسام المير، التي يتواجد فيها أكثر من 600 طالب، إلى أنهم تلقوا منذ عامين أمراً من وزارة التربية بإخلاء المدرسة إلا أن الانتقال لم يتيسر بسبب عدم تأمين مبنى بديل.

 

وعند الدخول إلى الصفوف تدرك حجم المخاطر التي يتعرض إليها الطلاب حيث تتوسط الجدران وبعض الألواح الدراسية ثقوب كبيرة ناجمة عن الرصاص بالإضافة إلى الشبابيك المحطمة. ومن أجل تجنب هذه المخاطر قامت المدرسة بإقفال بعض الصفوف المتضرّرة والمواجهة لخطوط التماس لأن كل طالب متواجد في هذه الصفوف هو مشروع شهيد رصاصة طائشة بالرأس.

 

ولا يقلّ خطورة عن كلّ هذه الوقائع، حالة الفرز الطائفي التي شهدتها المدارس خلال الأعوام الفائتة. إذ قام عدد كبير من الطلاب بالانتقال إلى مدارس جديدة تتلاءم مع توجهاتهم وانتماءاتهم. مدرسة لقمان الواقعة عند جسر الملولة قرينة واضحة على ذلك، إذ أفادت مصادرها بأن عدد الطلاب المنتمين لمنطقة جبل محسن المسجلين في المدرسة بلغ هذا العام خمسة من أصل مئتين. وتلفت المصادر في جبل محسن إلى أن بعض الأهالي انتقلوا بأولادهم إلى مدارس زغرتا ومهنياتها، مستغنين بذلك عن مهنيتي البداوي والقبة، في حين غادر طلاب التبانة جبل محسن.

 

(بشير مصطفى – الأخبار)2

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*